يقول الرافعي رحمه الله في وحي القلم : " إننا نحن ـ الشرقيين ـ قد ضعنا منذ فقدنا الشخصية الاجتماعية .
لا أعرف شيئا تواطأ الناس على هضمه و زهدوا في إنصافه مثل الحقيقة
الاسم: نصر حسان
البلد: مصر
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب,ديانات,تكنولوجيا,عام
أظهر كافة المعلومات
| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

يقول الرافعي رحمه الله في وحي القلم : " إننا نحن ـ الشرقيين ـ قد ضعنا منذ فقدنا الشخصية الاجتماعية .
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
في الحقيقة لم أكن مندهشا و أنا أقرأ أغلب الردود على هذا الطرح الأدبي - " اللحية بين فلسفة الشرع و نظرة المجتمع " الذي أطلقته في أكثر من موقع .. فأنا أعلم جيدا أنه من المحال مجرد محاولة إحداث تغيير في أحد الموروثات الفكرية التي ترسخت في العقل المسلم بفعل خطاب ديني ممتد منذ قرون ..
و الحق أن قضية " اللحية " - في حد ذاتها من حيث الحكم الشرعي - هي أقل عندي من أن يتناولها قلمي بالمناقشة و العرض ، فهي قضية على هامش قضايا الدين و الحياة .. ففي الدين و الحياة قضايا ساخنة في حاجة فعلا إلى العرض و الإثارة ، و هي أولى فعلا من مجرد الحديث عن : هل اللحية فرض أو سنه ؟؟ و هل الحليق آثم أم غير آثم ؟؟
و لذلك أهملت – في مقالي هذا - الحديث عن المبرر الشرعي في الحكم على اللحية ، و كان المقال يعرض ما هو أخطر من اللحية في حد ذاتها و هو : " النظرة الاجتماعية الخاطئة للشخص الملتحي وربطها بالإسلام "
و لم أكن أرمي من أسلوبي الاستنباطي بالمقال أن أقول للقاريء أن اللحية ليست من السنة ، أو أنها ليست من الإسلام ، فهذا شيء لا يفهمه – بداهة – أي عاقل منصف يقرأ المقال .. و لكني كنت أرمي إلى :
1- العودة بالقضية كلها إلى أصلها البسيط ..
2- أن أوضح المنظور الاجتماعي الخاطيء للحية ، و ربط ذلك بالإسلام و حقيقته ..
3- أن أوضح طريقة الناس في نكران الحق حيث كان .. فإذا كان الحق صعبا قالوا : هذا تشدد وجمود ، و إذا كان الحق يسيرا قالوا :هذا تمييع مرفوض ..
أما و إذا كانت هناك من حاجة لتوضيح شرعي للنقاط التي تعرض لها المقال ، فلا بأس بذلك .. و الله الموفق ، إنه بكل جميل كفيل ، و هو حسبنا و نعم الوكيل :
أولا :
لعل من الأشياء التي صدمت القراء – خصوصا من هم على علاقة شخصية بالكاتب - أنهم فوجئوا بالكاتب " الملتحي " يفصح لهم عن سر خطير ، و هو : أنه أطلق اللحية لأن منظر وجهه بها أوسم من منظره وهو حليق .. وهذه صدمة كنت متوقعا لها ، ولذلك طرحتها بأسلوب أدبي جريء … و لعل كثيرا من القراء وقفوا مشدوهين وعقلهم يردد : هل أطلق لحيته ليس اتباعا للسنة ؟؟!!
و الصدمة هنا تعبر عن حالة الانحراف الفكري الذي وصل إليه العقل المسلم نتيجة خطاب ديني عطب امتد بأمة الإسلام إلى ما يقرب من قرنين أو ثلاث قرون إن لم يكن أكثر من ذلك .. وعلاج هذا الانحراف أن يحدث للعقل المسلم نوع من المسح من جديد حتى يتعافى من هذا الانحراف و يعود إلى أصل الإسلام و فطرته الأولى حيث كان محمد و أصحابه صلوات الله عليهم ..
ثانيا :
أود أن أبدأ هنا بمناقشة النصوص التي وردت في مسألة اللحية .. و هنا أود أن أقول شيئا هاما : أنه إذا كان الحكم الشرعي في " إطلاق اللحية " أمرا مختلفا فيه بين العلماء حتى بين الفقهاء الأربعة .. فإن الضرورة هنا تقتصي النظر إلى النصوص بشكل مجرد بعيدا عن فتاوى العلماء .. عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه وابصة بن معبد : " استفت قلبك ، استفت نفسك ، البر ما اطمأن إليه القلب ، واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في النفس ، وتردد في الصدر ، وإن أفتاك الناس وأفتوك "
و بتصنيف تلك النصوص أقول : فإن النصوص التي وردت في قضية اللحية يصح وصفها بأنها نوعين من النصوص :
1- نصوص " اللحية من الفطرة .. "
2- نصوص " خالفوا المشركين "
أولا : نصوص الفطرة :
1- حديث مسلم عن عائشة رضي الله عنها : " عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء . قال زكرياء : قال مصعب : ونسيت العاشرة . إلا أن تكون المضمضة . زاد قتيبة : قال وكيع : انتقاص الماء يعني الاستنجاء "
2- حديث النسائي عن عائشة رضي الله عنها : عشرة من الفطرة : قص الشارب ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، وإعفاء اللحية والسواك ، والاستنشاق ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء …
3- حديث النسائي عن أبي هريرة : خمس من الفطرة قص الشارب ، ونتف الإبط ، وتقليم الأظافر ، والاستحداد والختان
4- حديث ابن الملقن من حديث أبي هريرة : من فطرة الإسلام الغسل يوم الجمعة والاستنان وأخذ الشارب وإعفاء اللحى
وهذه النصوص و غيرها ترشدنا إلى أصل اللحية .. و هي أنها من " الفطرة " ..
والفطرة في لغة العرب : من الفعل الثلاثى فطر ، وفطر الشىء يفطره فطرا فانفطر ، وفطّره : شقه ،وأصل الفَطْر : الشق ، ومنه قوله تعالى : " إذاالسماء انفطرت "
وفطر الله الخلق : خلقهم وبدأهم .
والفطرة : الابتداء والاختراع ومنه قوله تعالى : " الحمد لله فاطر السماوات والأرض "
والفِطرة : الخلقة التى يخلق عليها المولود فى بطنأمه ..
و هي اصطلاحا : هى البداءة التى ابتدأ الله الخلق عليها .. و هي الجبلـّـــية التي يكون بها الإنسان على أكمل وجه ، و أحسن صورة ..
و هي كمال جمال الإنسان ، و حسن صورته ، و نظافة مظهره و سريرته ..
و بهذا التعريف وبتلك النصوص أقول باختصار : أن اللحية – بتعريف النبي صلى الله عليه وسلم لها - هي تلك الشعيرات التي تنبت في جسد الإنسان أسفل الذقن ، و يحسن الإبقاء عليها مثلما يحسن الإبقاء على شعر الرأس ، و قص الأظفار ، و حلق العانة ، و نتف الإبط ، و الاستنجاء .. و كل ما هو من شأنه أن يظهر الإنسان جميلا نظيفا ، في كمال من الهيئة ، و الوقار ..
وبهذا التعريف فإن اللحية في الشرع من المستحبات و ليس من الواجبات ..
فالفرق بين الملتحي و الحليق مثل الفرق بين صاحب الشعر و الرجل الأصلع .. فرق في معيار جمال المظهر والهيئة و ليس في معايير الإيمان و التدين ..
و من هنا أقول أنه ليس شيئا يستدعي الصدمة أن أقول أنني أطلقت لحيتي لأن مظهر وجهي بها أجمل من مظهري و أنا حليق .. إذ أن علة إطلاقها – كما وضح النبي - أنها من محسنات صورة الإنسان ، و من أسباب نظافته ووقاره .. و
لا أتذكر منذ متى نبتت لحيتي ، أظن أن ذلك كان في نهايات المرحلة الثانوية ، في نهايات السنة الثانية و بداية الثالثة .. و رغم أن صورتي بها كانت مفضلة - عندي - عن صورتي و أنا حليق ، إلا أنني كنت أحلقها كلما تسببت في ظهور بعض الحبوب الضارة على وجهي .. فهي كانت – ولا زالت- تصيب بشرة وجهي بالحر الشديد إذا زادت عن الحد ..
كنت كذلك ، أتركها حتى تنمو ثم أجتثها نهائيا من على وجهي بعد أيام من نموها ..
لكني في السنة الثانية من الجامعة قررت أن أطلقها ، بعد أن خف ضررها ، و أصبحت أنظر إليها كشارة تميز الرجال ، وزينة خلقها الله أسفل أذقانهم تحسن من صور بعضهم ، و تقبح صور آخرين..
لكني لم أذكر - يوما – أنني اعتبرتها شعيرة يتقرب بها العبد من ربه ، أو شارة تميز المسلم عن غيره ..
و أتذكر حوارا دار بيني و بين أحد أصدقائي يوما حين سألني عن سبب إطلاقي اللحية ..
فأجبته بهدوء الأبرياء : أطلقتها لأن صورتي بها أفضل في نظري ..
فأجابني باندهاش : ألم تطلقها عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!
فأجبته مندهشا : و هل أطلقها محمد صلى الله عليه وسلم إلا لأنها زينة أعز الله بها الرجال ، و زين وجوههم بها ..؟؟
فقال : و لكن محمدا أمرنا أن نطلقها مخالفة للمشركين ؟؟
قلت : نعم أعلم ذلك ، و لكن لو كان إطلاقها قاصرا لهذه العلة ، لكان حلقها اليوم فرض واجب ..
فسألني باندهاش : كيف ذلك ؟؟
قلت : إن الرهبان في الأديرة ، و القساوسة و الشمامسة في الكنائس يطلقون لحاهم حتى تلامس أطرافها أسرّتهم ، فأين المخالفة في الحلق إذا ؟؟
و لو كان إعفاء اللحية شعيرة يتقرب بها العبد من ربه ، لكان أبو جهل ذا اللحية الكثة ، و أبو لهب - لهيب الشعر - من الصديقين و العبـّــاد المقربين ..!!
ولكنها فطرة زين بها الله الرجال ، وقد أرشدنا التاريخ في قديم العرب وغيرهم إلى أن إعفاء اللحْية كان عادة مُستحسنة، ولا يزال كذلك عند كثير من الأمم في علمائها وفلاسفتها، مع ما بينهم من اختلافٍ في الدين والجنسية والإقليم. يَرون فيها مظهرًا لجمال الهيئة ، وكمال الوقار والاحترام ..
والرسول ـ عليه السلام ـ مِن دأبه إرشاد أمته إلى ما يجعلهم في مقدمة أرباب العادات المُسْتحسنة، التي تُوفر بحسب العُرف مظاهر الوقار، وجمال الهيئة.
ومِن ذلك جاءت أحاديث الترغيب في توفير اللحْية، كما جاءت أحاديث الترغيب في السواك وتنظيف عُقد الأصابع ومَعاطفها .. ولعل حديثه صلى الله عليه وسلم " خالفوا المشركين " كان من قبيل النصح الوقتي المنتهي بزوال العلة ..
و الحق أن الأقرب إلى الله عز وجل ، ليس صاحب الشعر الطويل ، و لكن القريب إلى الله ، و المستمسك بسنة نبيه هو صاحب الشعور الوافر ، و الحس المرهف ، و العقل المتأمل الذي يصل به إلى ربه ، فيندفع الحب في فؤاده له ، و تمتلئ جوارحه إيمانا به ، و تسبيحا بحمده ..
لهذه الفلسفة البسيطة أطلقت لحيتي ، فلا أعتبرها دليلا على إيمان زائد ، أو شعيرة تميز المسلم عن غيره .. و لكنها – في نظري – مجرد شعيرات نابتة أسفل الذقن تحسن مظهر بعض الرجال ..
و لكن المؤسف أن المجتمع يضفي على صاحب اللحية صفات ربطت اللحية بها ، فأعطاه أحيانا مقاما أرفع من مقامه ، أو أحيانا أخرى أعطاه صفات أقبح من أن تكون فيه ، و بهذا يحدث خلط و اضطراب شديد ..
ودائما ما كرهت لقب " شيخ " الذي يناديني به البائعون ، أو صبية وسائل النقل لمجرد وقوع أنظارهم علي ّ كشخص ملتح ، دون أن يعرفوا بعد هل أنا شخص متدين أم لا ؟؟ و هل لي مكانة علمية و دينية أستحق بها هذا اللقب العظيم ؟؟
و علة كراهيتي للقب ليست لأنه لقب مهين ، أو نقيصة تنتقص من كرامة المرء ، حاشا لله ، فهو أعظم الألقاب و مهما بلغ تديني ، و بلغ علمي فمن المحال أن أسمو لتلك المكانة الجليلة ..
و لكني حقا أكره اللقب لسببين :
أولهما : أنني أكره أن تختصر مشاعر الإيمان ، و قيم الدين العظيمة ، و فضائل علومه في شعيرات نابتة أسفل الذقن ..
و الناس معذورون فيما ذهبت إليه ظنونهم .. فرجال الدين قد أعطوا للحية مقاما أرفع من مقامها ، و وصفوا صاحبها بأنه أكثر استنانا و توحيدا من الرجل الحليق .. و ليس هذا بشرط .
فكم من حليق عالم ، و صاحب لحية كفور ..
و ثانيهما :
أن أصحاب اللحى قد عاشوا الدور ، فصنعوا من أنفسهم قوالب متحجرة شوهت صورة الإسلام ، و أعطته صفات ليست فيه .. فمن الوهلة الأولى يظن في صاحب اللحية أنه شخص زاهد في ملذات الدنيا ، متشدد الرأي ، محرم لكل شيء ، عابس الوجه ، متواصل الاكتئاب لما تكشف إليه من حقائق الدار الآخرة و أهوال القبور ..
وهذا خطل أعاني منه ..
و علة المعاناة أنني شاب بسيط سهل ، أعيش سائحا في سجيتي كما يسيح الأطفال الأبرياء في فضاء طفولتهم ، لا يتكلفون في حياتهم ، و لا يتكلفون في تصورهم لحقائق الأمور ..
و أحب أن أعيش هاشا

لازلت أتذكرها (1) منذ عامين ، في أثناء حرب الفرقان المجيدة .. كانت الدنيا و كأنها موشكة على الفناء .. لا أظن التاريخ سيمر على هذه الفترة القاسية مرورا رئيفا .. بل سيسطر أحداثها بحروف من دماء ، على صفحات سود .. " الاحتلال يجتاح غزة .. تلك البقعة الصغيرة العامرة بأكثر من ألف وخمسمائة ألف مسلم ، و الحكام العرب و المسلمون يصفقون له ، و يدفعونه إلى انجاز المهمة في أسرع وقت ."
هكذا سيسجلها التاريخ ، و هكذا سيقرؤها الأخلاف و الأحفاد ..
كانت الدنيا تتساءل : ما هو الحل ؟؟ .. هؤلاء الحكام ضاقت الشعوب بهم ذرعا .. لقد جوعوها، وجهلوها ، و استباحوا أعراضها ، و انتهكوا حرماتها ، و سفكوا دماءها ..
تكشف المشهد عن حقيقة مكابر ٌ من يجحدها .. الحقيقة هي أن العدو ليس بضعة ملايين من اليهود يحتلون القدس و ما حولها ، و ليس دولة في أقاصي الكرة الأرضية تهيمن على اقتصاديات و ثقافات و قرارات العالم .
و لكن العدو الحقيقي هم هؤلاء المتحكمون فينا ، المتآمرون علينا ..
لازلت أتذكر صوتها .. و هي تجيب عن سؤال وجهه لها أحد الإعلاميين ، و هو يقول لها : أين الحل ؟؟ !!
فأجابت برصانة العلماء ، و بإيمان الربانيات .. : " الحل في العلماء ..!! "
تساءلت يومها .. كيف يكون الحل في العلماء ؟؟ و كيف يصبح العلماء عاملا مؤثرا في معادلات السياسة و الحرب و نظام الدولة الإجتماعي و السياسي و الثقافي ؟؟
و هل واقع العلماء اليوم يعطي بشارة أن يكون لهم دور ملموس في قيادة الشعوب نحو تخليصها من الإذعان للعبودية و الاستبداد .. كي تسترد حريتها فيطرد بها الله قتلة أنبيائه و المفسدين في أرضه ؟؟
هذه التساؤلات في الحقيقة واقع لا وهم ..
فالواقع يحدثنا بصعوبة هذا الدور .. بل باستحالته في ظل المشكلات التي يغرق فيها العلماء و تحول دون أن يكون لهم أي دور ملموس في إنقاذ الشعوب ، و إعادة بناء النهضة المنشودة ..
ولكن قبل الحديث عن هذه المشكلات أود الإشارة أولا إلى هذا الدور ، مستندا إلى أحداث التاريخ ، و وقائع الحاضر ..
العلماء محور الحضارة :
والحق أن دائما و أبدا كان العلماء هم محور أي نهضة ، و هم اللاعب الخفي أو الظاهر في تقدم الشعوب و بناء الحضارات .. و لم يكن أبدا دور العلماء قاصرا على الرواية أو الترجمة أو التفسير أو الشرح .. و إنما كان للعلماء دائما أدوار سياسية واجتماعية على مر تاريخ الإسلام .. كانت هذه الأدوار دائما كفيلة بأن تنقذ الأمة كلما حلت بها كبوة ، أو استشرى فيها ضعف .. أو دب في كيانها الوهن ..
و حين أنقب في أحداث التاريخ الإسلامي عن هذه الأدوار يبرز لي – رغم عني – الدور الذي لعبه أبو حامد الغزالي رحمه الله في تصحيح مسار الفكر الإسلامي ، و إحياء وبعث علوم الدين ..
و يخطيء المؤرخون و المفكرون إذا نسبوا تحرير بيت المقدس من الصليبيين إلى صلاح الدين الأيوبي وحده .. و ما كان جيل صلاح الدين سوى إفراز طبيعي لجهود مضنية بذلتها أجيال قبله من أجل تقويم المعوج ، و بعث موات علوم هذا الدين .. و يتقدم هذه الأجيال مجدد القرن الخامس و حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ..
و أبو حامد لم يكن مجرد عالم يلقي الدروس ، و يكتب المصنفات .. و لكنه كان قلبا مهموما بجراح هذه الأمة المتفككة ، الواقعة فريسة بين أنياب الصليبيين .. و كان عقلا مفكرا ، و بصيرة نافذة يرى مواطن الخلل ، و طبيبا يشخص الداء ، و يعرف الدواء ..
لقد أدرك أن العدو الحقيقي ليس الصليبيون ، و لكن العدو هو الاستبداد و الجهل ، و الخرافة .. فراح الرجل ينقذ علوم الدين ، بعد أن كانت قاصرة على كلاميات فارغة بين الفلاسفة ، و خلافيات تافهة بين المعتزلة و الحنابلة .. و بدع متداولة بين الرافضة و المتصوفة ..
فسطر الرجل إحياء علوم الدين ليكون ثورة على هذا الواقع المميت ، و سطر معه سيــر شباب حملوا هذا الفكر المستنير ، و جعلوه واقعا تعيش الناس به .. فأنقذ الله به الأمة ، و توج الله هذا الجهد بتحرير البيت ..
و يبرز لي أيضا في نفس السياق ، سلطان العلماء ، و بائع الملوك ، عز الدين العز بن عبد السلام .. و حينما أتحدث عن سلطان العلماء ، فإنني أتحدث عن مشروع قومي قاده الرجل في شتى مناحي الحياة ، في الدين ، و في السياسة ، و في القضاء ، و في الاقتصاد ، و في الجهاد ..
أتحدث عن مكافح سياسي وقف في وجه الطغيان ، و أعلن من فوق منبره خيانة الصالح اسماعيل (2) ببيعه السلاح للصليبيين و الاستقواء بهم ضد أخيه الصالح نجم الدين أيوب .. و هذا الموقف أودى به إلى الإعتقال ، و النفي .. لكنه لم يخش في الله لومة لائم ..
و أتحدث عن قاض ٍ شجاع ، وقف في وجه السلطان نجم الدين أيوب ضد تدخله في القضاء .. و هو ليس من حقه ، وأدّى به إنكاره لتدخّل السلطان في القضاء أن قام فجمع أمتعته ووضعها علي حماره ثم قال: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» ، و تجمع الناس حوله و أرادوا الخروج معه ،
و أتحدث عن مرب حكيم ٍ تربى على يديه المظفر قطز ، الذي جمع الله به شمل المسلمين ، و قيضه لجهاد التتار ، و دحرهم و تخليص بلاد المسلمين منهم ، بعد أن أبتليت بهم بلاءا عظيما ..
و أتحدث عن مجاهد باسل ، جيش الشعوب ، و جهزهم بالإيمان و القوة ، ليدحر الله به أعداء الإسلام في الداخل و الخارج ..
و أتحدث عن اقتصادي بارع ، شارك في وضع خطة تمويل العمليات العسكرية ضد التتار ، ولما أمر قطز بجمع الأموال من الرّعية للإعداد للحرب، وقف العزّ بن عبد السلام في وجهه، وطالبه ألا يؤخذ شيئا من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم المقادير التي تتناسب مع غناهم حتى يتساوى الجميع في الأنفاق ..
و أتحدث عن مفكر عظيم ، و ضع منهاجا دينيا ، وفقهيا ، وسياسيا ، كان بمثابة مشروع قومي عظيم ، قاد به مصر نحو الوحدة ، و النهضة ، وقيادة الأمة الإسلامية و إنقاذها من الهلاك ..
و عندما أقلب صفحات التاريخ الإسلامي ، يبرز أمام ناظري صفحة مضيئة ، لعالم من علماء المسلمين ، نشر الإسلام وحده في أواسط أفريقيا ، و أنشأ وحده دولة إسلامية من العدم ، قادت قوة الإسلام في الغرب ، و أنقذ الله بها الأندلس من السقوط ، ليأذن الله لهذه الحضارة أن تمتد قرونا أخرى تعلم البشرية الخير ..
إنه عبد الله بن ياسين المجاهد الفذ ، و العالم الفقيه ، الذي دعا الناس إلى الإسلام في أفريقيا من الصفر كما يدعو الأنبياء و الرسل الأمم لرسالاتهم .. فجاء بجمع غفير من الناس أسس بهم دولة المرابطين التي كانت أعظم قوة عسكرية و اقتصادية و علمية في أفريقيا آنذاك ..
و لست هنا أمام مجاهد محارب أو عالم ديني.. بل إنني أمام رجل متكامل العلوم و الفنون .. كان مؤسس الدولة ، و فقيهها الديني ، و السياسي ، و العلمي ، و الاقتصادي .. فضرب مثالا لشمولية الإسلام ، و أثبت أن الإسلام ليس بضع فروض تؤدى ، أو صلوات تقضى .. و ليس سلسلة من الشروح و المتون تمتليء بها الكتب ، و يسهر الطلبة في دراستها معزولين عن الحياة .. بل إن الإسلام دولة و وطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
بهذه الجولة الفاحصة في صفحات التاريخ أخلص إلى حقيقة هامة وهي :
أن العالم الحق الذي يستحق الثناء الإلهي ، و الوراثة النبوية ( 3 ) .. ليس بالذي يحبس نفسه بين أرفف الكتب ، أو يلصق قدميه على درجات المنبر .. و لكن العالم الحق هو الذي تكتمل فيه شمولية الإسلام ..
العالم الحق هو رجل سياسة حين تطغى الطواغيت ، و هو رجل حرب حين تغتصب البلاد ، و هو ثائر حين يتفشى الفساد ، و هو مجدد عظيم يضع المنهاج الذي يقود الأمة إلى النهوض ..
العالم الحق هو الذي يتكلم يوم أن يصمت الناس ، و يقود يوم أن يتقهقر الناس ، و يقاوم يوم أن يتخاذل الناس ، و يوحد يوم يتفرق الناس ، و يعلـّـم يوم يجهل الناس ..
العالم الحق – وريث الأنبياء – هو مشروع نبي في كل عصر ، يقيم الإسلام في الأرض ، فيؤدي الأمانة ، و يبلغ الرسالة ، و يجاهد في الله حق الجهاد حتى يأتيه اليقين ..
الحل في العلماء ..
أعود للسؤال و الجواب .. كيف يتقدم العلماء ركب هذه الأمة فيجددون لها حياتها ، وينهضون بها ، وينقذونها من براثن الهلاك ، كيف يستعيدوا هذا الدور المفقود الذي كلفهم الله به ؟؟
و الجواب في خمسة :
أولا : تصحيح العقيدة :
سمعت عبارة منسوبة إلى الصحابي البدوي البسيط ربعي بن عامر .. قالها و هو يقف أمام قائد الفرس رستم عقب معركة القادسية حينما سأله رستم عن الإسلام ..
فقال ربعي : " جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. " ..
لقد فهم ربعي من الإسلام ما يكفيه كي يتحدث عن هذا الدين العظيم ببلاغة الشعراء ، و حكمة العلماء .. مع قائد أقوى دولة في الأرض حينذاك .. ( 4 )
و قد اخترقت هذه الكلمات البسيطة قلبي وعقلي ، فصار صداها يتردد في رأسي ، ويختصر عندي كثيرا من الشروح و المتون التي تتحدث عن الإسلام و عقيدة التوحيد ..
لقد فهمت – منذ سمعت هذه الكلمات القوية البيان ، البسيطة التكوين – أن وظيفة الإسلام الأولى أنه كفاح سياسي لأجل عتق الناس من كافة العوالق الأرضية .. وهذا – لعمري - هو التوحيد الصحيح ..
كفاح سياسي شديد ، غايته تحرير الناس إلى ربهم من كافة طواغيت الأرض ، ليخلص الناس إلى ربهم يأخذون من عزته عزة ، و من كرمه كرامة ، و من علمه علما ، و من قيوميته إيمانا و يقينا ..
و حينما غدوت يافعا ، كان هذا المفهوم يترسخ يوما بعد يوم ..
لقد أعملت خاطري و عقلي في كتاب الله عز وجل فكانت هذه الحقيقة تزداد رسوخا مع قراءتي لكل آية ..
إن القرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره عن تحريض للناس على مجابهة الطواغيت ، و تخليص الأوطان و الشعوب من استبدادهم إلى الله الواحد ..
لقد تدبرت آيات الله عز وجل و هي تحكي موقف إبراهيم عليه السلام مع النمرود الطاغية الذي خدعه جبروته و طغيانه فظن تيها أنه رب هذا الكون .. و تدبرت كيف غلبه إبراهيم بشجاعته و إيمانه العميق ..
و تدبرت قبلها موقفه عليه السلام و هو يدخل مع سادات قومه في كفاح سياسي شجاع ، من أجل تحطيم عقائدهم البالية المتحجرة ..
و لقد قطعت رحلات مع آيات الله عز وجل يمنة و يسرة فوجدتها تكاد لا تخلو من تمجيد للكفاح الطويل الذي قطعه موسى عليه السلام لأجل تحرير البلاد و
منقطع أنا عن الكتابة منذ فترة ، منذ سبعة أشهر تقريبا لم أمسك بقلمي كي أكتب .. سوى مرات قليلة ، مرة أو مرتين أو ثلاث تقريبا ، وفي كلهم كنت أكتب لمناسبات محددة ..
و انقطاعي عن الكتابة شيء مؤلم .. أعاني منه منذ أشهر ، لدرجة أنني أشعر أنني جسد بلا روح .. فالقلم لوجداني كالروح في جسدي ، تماما مثل الماء في مجاري الأنهار ..
وانقطاعي كان لعدة أسباب .. أولها أنني شعرت شعورا عميقا – بعد خمس عشرة سنة من الكتابة مذ كنت طفلا – أنني كمن يصرخ في جزيرة خالية ، أو ينادي في قرية ليست ملأى سوى بالمقابر و اللحود .. إذ أنني اكتشفت أن حقائق كنت أظنها من أبجديات الفكر ، هي بين الناس محل جحود و إنكار و هضم متواصل ..
و أذكر أنني قبل أن أتخذ قرار انقطاعي عن الكتابة بأيام كانت قد اتسمت مناقشاتي وكتاباتي بالحدة ، و العصبية – وهذا في الأساس ليس من منهجي في العرض الفكري - و لكني كنت في حالة صراخ داخلي وخارجي .. وشعرت بغربة لم أشعر بمثلها قط .. لدرجة أنني كنت أشحذ رأيا متفقا معي ، و أتوسل في الناس إنصافي ..
و بعد فترة من هذا الحال البائس ، نظرت إلى نفسي و إلى ما أكتب نظرة رثاء و احتقار ..
و قررت أن أتخذ لنفسي هدنة ، أعز بها قلمي ، و أبحث بها عن نفسي ..
و ثانيها أنني لاحظت في الفترة الأخيرة أن هناك إقبالا خفيفا على كتاباتي من شريحة الشباب ، نظرا لأنها طويلة .. و الناس في هذا الزمن لا يحبون قراءة الإصدارات الطويلة ، لأنهم لا تطاوعهم أنفاسهم على الصبر على القراءة مدة طويلة ..
إضافة إلى أن مقالاتي أغلبها تناقش قضايا يزهدها الشاب العربي ..لأنها تذكره بالواقع الأليم الذي يريد الهجرة منه ، و يتمنى أن يعيش في سكرة عنه .. ليس ذلك فحسب .. لكني أعتقد أن طريقة كتابتي كانت أحد أسباب ضعف الإقبال على مقالاتي .. فقد أخبرني بعض قرائي أن أسلوبي صعب ، و أن تعبيراتي قد لا يفهمها الكثير .
و لذلك يهرب الناس عنها ، و ينفضون من حولي ..
و أحب أن أكشف عن صراع طويل عشته منذ سنوات .. صراع داخلي بين الحداثة و الأصالة …
إنني أكتب في الأساس قاصدا شريحة الشباب العربي .. و الشباب العربي - عندي - ثلاثة . أصناف : صنف مثقف واع ، يفهم واقعه برشد ، و يعمل لمستقبله بطموح ، متدين ، يفهم أن الدين حياة و حركة و سطوع في الآفاق .. و صنف آخر في جهالة من أمر واقعه ، و في اكتراث معدوم من أمر مستقبله .. يعيش هاربا من واقعه إما منغمسا في التفاهات ، أو مسجونا خلف قضبان من أوهام تزيد بعضها بعضا ..
وصنف ثالث قد حصر حياته كلها في هوامش وقشور سواء كانت قشور فكرية أو دينية أو رياضية .. و هذا ليس إلا هروب من نوع آخر ..
شعرت بعد فترة أننا – معشر الكتاب الشباب – ندور في حلقة مفرغة .. فنحن نكتب للصنف الأول فقط .. نكتب لذواتنا فحسب .. تماما كما يخطب الشيخ في مجموعة من أصحابه من الشيوخ بالمسجد و يتناوب أصحابه ارتقاء مقامه .. يعظون أنفسهم ، و يتركون الناس في الخارج منهم العاصي و العاق و الجاهل الضال ..
شعرت بعد فترة أن قرائي هم المثقفون .. الذين هم في غنى عما أكتب و أشرح .. بينما المحاويج الأحقاء لهذا العلم ما زتهم إلا هجرا ..
وهذا أدخلني في صراع شديد : إن أسلوبي في الكتابة يكتسي كساءا أدبيا .. و يراه كثيرون أسلوبا صعبا .. يصعب على شرائح الشباب – دون الصنف الأول – فهمه و استيعابه ، و العمل على أثره ..
فماذا أفعل ؟؟ هل أنزل عن هذا الأسلوب كي أصل لهؤلاء ؟؟ أم أحتفظ بأصلي و ليصعد لي من يصعد ، و ليمكث من يمكث ؟؟
وهذا الصراع في الحقيقة لم يكن في مجال الكتابة فحسب .. بل عانيت منه في الشعر و حتى في الإنشاد ..
فلقد انتشرت بين الناس الآن موضة الكلمات الخفيفة ، و الألحان السريعة الممسوحة ..
و صوتي في الحقيقة يتسق تماما مع الأشعار الرصينة ، و القصائد الثقيلة ، و الألحان الشجية الطربة العميقة ..
حينما كنت في طفولتي البريئة – حيث لم أكن قد تعلمت القراءة و الكتابة بعد – سمعت عبارة منسوبة إلى الصحابي البدوي البسيط ربعي بن عامر .. قالها و هو يقف أمام قائد الفرس رستم عقب معركة القادسية حينما سأله رستم عن الإسلام ..
فقال ربعي : " جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. " ..
لقد فهم ربعي من الإسلام ما يكفيه كي يتحدث عن هذا الدين العظيم ببلاغة الشعراء ، و حكمة العلماء .. مع قائد أقوى دولة في الأرض حينذاك ..
و قد اخترقت هذه الكلمات البسيطة قلبي وعقلي ، فصار صداها يتردد في رأسي ، ويختصر عندي كثيرا من الشروح و المتون التي تتحدث عن الإسلام و عقيدة التوحيد ..
لقد فهمت – منذ سمعت هذه الكلمات القوية البيان ، البسيطة التكوين – أن وظيفة الإسلام الأولى أنه كفاح سياسي لأجل عتق الناس من كافة العوالق الأرضية .. وهذا – لعمري - هو التوحيد الصحيح ..
كفاح سياسي شديد ، غايته تحرير الناس إلى ربهم من كافة طواغيت الأرض ، ليخلص الناس إلى ربهم يأخذون من عزته عزة ، و من كرمه كرامة ، و من علمه علما ، و من قيوميته إيمانا و يقينا ..
و حينما غدوت يافعا ، كان هذا المفهوم يترسخ يوما بعد يوم ..
لقد أعملت خاطري و عقلي في كتاب الله عز وجل فكانت هذه الحقيقة تزداد رسوخا مع قراءتي لكل آية ..
إن القرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره عن تحريض للناس على مجابهة الطواغيت ، و تخليص الأوطان و الشعوب من استبدادهم إلى الله الواحد ..
لقد تدبرت آيات الله عز وجل و هي تحكي موقف إبراهيم عليه السلام مع النمرود الطاغية الذي خدعه جبروته و طغيانه فظن تيها أنه رب هذا الكون .. و تدبرت كيف غلبه إبراهيم بشجاعته و إيمانه العميق ..
و تدبرت قبلها موقفه عليه السلام و هو يدخل مع سادات قومه في كفاح سياسي شجاع ، من أجل تحطيم عقائدهم البالية المتحجرة ..
و لقد قطعت رحلات مع آيات الله عز وجل يمنة و يسرة فوجدتها تكاد لا تخلو من تمجيد للكفاح الطويل الذي قطعه موسى عليه السلام لأجل تحرير البلاد و العباد من سطوة فرعون و ظلمه ، و طغيانه ..
و لقد تعلمت درسا في الجهاد و التجرد إلى الله تعالى من قصة ذلك الغلام " فتى نجران " الذي خلد القرآن ذكره في سورة البروج – وهو الغلام الصغير لكن فعله كبير عظيم - .. وقف في وجه " ذي النواس " صاحب الأخدود ، الطاغية المجرم .. و ضحى بروحه حتى رد الناس إلى ربهم ، فآمنوا و ماتوا وهم على ذلك ..
و لقد طوفت الترحال بسور القرآن الكريم ، فوجدتها لا تخلو من تخليد و تمجيد للمكافحين من الأنبياء و الصديقين ، الذي وقفوا في وجه الفساد و ضحوا بأرواحهم في محاربة الطغيان ..
و لهذا لم أندهش حينما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أصحابه أن أعظم شيء في الإسلام هو الكفاح السياسي في محاربة الطغيان ..
قال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر " ..
و لم أندهش أيضا و أنا أرى الرسول صلى الله عليه و سلم وهو يساوى بين منزلة الرجل الذي أعدمه سلطان ظالم و منزلة حمزة بن عبد المطلب .. فقال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله "
من كل هذا أفهم أن وظيفة الإسلام الأولى هي أنه كفاح سياسي لمحاربة الجور و الظلم و الفساد .. و أفهم أن " التوحيد " الحق هو تخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ..
أقول هذا الكلام بعدما سمعت كلاما استفزني لأحد علماء العصر على شاشة إحدى القنوات الفضائية الناشئة ، كلام جدير بالتأمل .. يقول :
" إن مخالفة الإمام – حاكم الدولة - تعد إثما ، بل إن أوامر الإمام قد تأخذ أحيانا درجة الأحكام الشرعية .. فتسقط الواجب أحيانا ، و تحرم المباح ، و الخروج عليها على هذه الصورة يعد إثما "
وضرب الرجل مثالا فقال : " إن قال الإمام : لا نقاطع بضائع و منتجات الدولة الفلانية ، حينها تكون المقاطعة إثما .. و إذا قال : نقاطع الدولة الفلانية .. حينها تكون المقاطعة فريضة شرعية ، و من لا يقاطع يأثم "
و الحقيقة أن هذا الكلام قد أثار عندي شجونا ، لأنه يعبر عن تيار أصبح منتشرا بشكل غريب ، و لعلي ألفت النظر إلى هذا التيار و سماته و نشأته .. لتنكشف الحقيقة أمام القاريء ..
في أواسط القرن الثامن عشر .. ظهر في الجزيرة العربية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و كان رجلا من أهل العلم و الفضل ، ، و كانت له أفكار علمية تتناسب مع طبيعة عصره ، فكانت أفكاره متمثلة في الدعوة إلى التوحيد ، ونبذ البدع و المنكرات و لاسيما ما كان سائدا في هذا العصر من تقديس للقبور و هي بدع من مخلفات الشيعة في البلاد .. و كان لابد من ظهور أمثال الشيخ لمحاربة هذه المخلفات ..
وقد لاقت هذه دعوة الشيخ قبولا في الجزيرة العربية و خصوصا لدى أبناء سعود ، فحدث تعاون بينهم في هذا الأمر .. وسرعان ما تحولت الدعوة السلمية إلى دعوة مسلحة ، و قام أبناء سعود " و أميرهم " محمد بن سعود " بمهاجمة القرى خارج حدود الدرعية من أجل نشر أفكار ابن عبد الوهاب ، حتى فتحت الرياض بقيادة الأمير عبد العزيز عام 1773 .. ثم تواصل فتح القرى حتى هاجم جيش سعود الحجاز فاستولوا على مكة و المدينة عام 1803، فامتعض الخليفة العثماني لهذا الخرق للدولة العثمانية ، و قد حدثت صراعات بين آل سعود و الدولة العثمانية ، استغلت خلالها بريطانيا و فرنسا هذه الصراعات فأحدثت شروخا عظيمة في دولة الخلافة ، إلى أن سحقت القوات المصرية الجيش السعودي و دخلت الدرعية وسقطت الحركة السعوودية عام 1818…
و لم يقم لآل سعود دولة منذ ذلك الحين .. إلى أن استطاع " عبد العزيز بن سعود " إقامة المملكة السعودية في مطلع القرن العشرين أي بعد مائة سنة تقريبا .. و اتخذ المنهج الوهابي أساسا للفكر الإسلامي في الدولة ..
و مع الرفاهية الاقتصادية التي عاشت فيها السعودية بعد اكتشاف النفط ، و مع مكانة أراضي الحجاز في قلوب المسلمين في كل أنحاء الأرض .. استطاعت السعودية أن تحظى بمكانة كبيرة في عقول وقلوب المسلمين ..
و أدى ذلك إلى تصدير الفكر الوهابي إلى العالم الإسلامي كله ، فتزاحم طلبة العلم من كل الأقطار على الهجرة إلى المملكة لتلقي العلم على أيدي المشايخ و المحدثين في بلاد الحرمين الشري
![]()
حينما تستنفد الأسباب ، و ينقطع الرجاء ، و تصفد الأبواب .. فإن الإنسان قد ينقطع أثره ، و يستعصى أمله ، و تضيق نفسه .. لولا نداء داخلي يعيد للنفس شهيقها وزفيرها ، و يأخذ الألباب إلى الطموح الواثق ، و يرد للعقول توازنها المفقود ..
إنه نداء ٌ تفنى الأنفس إذا تأخر انبعاثه عنها طويلا ، و تستنفد الأرواح طاقتها على الصبر إذا لم يكن لها منه مؤنس و طبيب .. نداء ٌ صداه اليقين الراسخ ، و نبرته تختلف باختلاف مقادير الإيمان في القلوب ..
إنه نداء الإستسلام لله ..
تهدأ الجوارح متعة بلحنه العذب ، و تتراقص الأرواح طربا بأنغامه الناعمة .. و تسعد الأنفس ثقة وهي تأوي إلى الركن الشديد ..









