
لازلت أتذكرها (1) منذ عامين ، في أثناء حرب الفرقان المجيدة .. كانت الدنيا و كأنها موشكة على الفناء .. لا أظن التاريخ سيمر على هذه الفترة القاسية مرورا رئيفا .. بل سيسطر أحداثها بحروف من دماء ، على صفحات سود .. " الاحتلال يجتاح غزة .. تلك البقعة الصغيرة العامرة بأكثر من ألف وخمسمائة ألف مسلم ، و الحكام العرب و المسلمون يصفقون له ، و يدفعونه إلى انجاز المهمة في أسرع وقت ."
هكذا سيسجلها التاريخ ، و هكذا سيقرؤها الأخلاف و الأحفاد ..
كانت الدنيا تتساءل : ما هو الحل ؟؟ .. هؤلاء الحكام ضاقت الشعوب بهم ذرعا .. لقد جوعوها، وجهلوها ، و استباحوا أعراضها ، و انتهكوا حرماتها ، و سفكوا دماءها ..
تكشف المشهد عن حقيقة مكابر ٌ من يجحدها .. الحقيقة هي أن العدو ليس بضعة ملايين من اليهود يحتلون القدس و ما حولها ، و ليس دولة في أقاصي الكرة الأرضية تهيمن على اقتصاديات و ثقافات و قرارات العالم .
و لكن العدو الحقيقي هم هؤلاء المتحكمون فينا ، المتآمرون علينا ..
لازلت أتذكر صوتها .. و هي تجيب عن سؤال وجهه لها أحد الإعلاميين ، و هو يقول لها : أين الحل ؟؟ !!
فأجابت برصانة العلماء ، و بإيمان الربانيات .. : " الحل في العلماء ..!! "
تساءلت يومها .. كيف يكون الحل في العلماء ؟؟ و كيف يصبح العلماء عاملا مؤثرا في معادلات السياسة و الحرب و نظام الدولة الإجتماعي و السياسي و الثقافي ؟؟
و هل واقع العلماء اليوم يعطي بشارة أن يكون لهم دور ملموس في قيادة الشعوب نحو تخليصها من الإذعان للعبودية و الاستبداد .. كي تسترد حريتها فيطرد بها الله قتلة أنبيائه و المفسدين في أرضه ؟؟
هذه التساؤلات في الحقيقة واقع لا وهم ..
فالواقع يحدثنا بصعوبة هذا الدور .. بل باستحالته في ظل المشكلات التي يغرق فيها العلماء و تحول دون أن يكون لهم أي دور ملموس في إنقاذ الشعوب ، و إعادة بناء النهضة المنشودة ..
ولكن قبل الحديث عن هذه المشكلات أود الإشارة أولا إلى هذا الدور ، مستندا إلى أحداث التاريخ ، و وقائع الحاضر ..
العلماء محور الحضارة :
والحق أن دائما و أبدا كان العلماء هم محور أي نهضة ، و هم اللاعب الخفي أو الظاهر في تقدم الشعوب و بناء الحضارات .. و لم يكن أبدا دور العلماء قاصرا على الرواية أو الترجمة أو التفسير أو الشرح .. و إنما كان للعلماء دائما أدوار سياسية واجتماعية على مر تاريخ الإسلام .. كانت هذه الأدوار دائما كفيلة بأن تنقذ الأمة كلما حلت بها كبوة ، أو استشرى فيها ضعف .. أو دب في كيانها الوهن ..
و حين أنقب في أحداث التاريخ الإسلامي عن هذه الأدوار يبرز لي – رغم عني – الدور الذي لعبه أبو حامد الغزالي رحمه الله في تصحيح مسار الفكر الإسلامي ، و إحياء وبعث علوم الدين ..
و يخطيء المؤرخون و المفكرون إذا نسبوا تحرير بيت المقدس من الصليبيين إلى صلاح الدين الأيوبي وحده .. و ما كان جيل صلاح الدين سوى إفراز طبيعي لجهود مضنية بذلتها أجيال قبله من أجل تقويم المعوج ، و بعث موات علوم هذا الدين .. و يتقدم هذه الأجيال مجدد القرن الخامس و حجة الإسلام أبو حامد الغزالي ..
و أبو حامد لم يكن مجرد عالم يلقي الدروس ، و يكتب المصنفات .. و لكنه كان قلبا مهموما بجراح هذه الأمة المتفككة ، الواقعة فريسة بين أنياب الصليبيين .. و كان عقلا مفكرا ، و بصيرة نافذة يرى مواطن الخلل ، و طبيبا يشخص الداء ، و يعرف الدواء ..
لقد أدرك أن العدو الحقيقي ليس الصليبيون ، و لكن العدو هو الاستبداد و الجهل ، و الخرافة .. فراح الرجل ينقذ علوم الدين ، بعد أن كانت قاصرة على كلاميات فارغة بين الفلاسفة ، و خلافيات تافهة بين المعتزلة و الحنابلة .. و بدع متداولة بين الرافضة و المتصوفة ..
فسطر الرجل إحياء علوم الدين ليكون ثورة على هذا الواقع المميت ، و سطر معه سيــر شباب حملوا هذا الفكر المستنير ، و جعلوه واقعا تعيش الناس به .. فأنقذ الله به الأمة ، و توج الله هذا الجهد بتحرير البيت ..
و يبرز لي أيضا في نفس السياق ، سلطان العلماء ، و بائع الملوك ، عز الدين العز بن عبد السلام .. و حينما أتحدث عن سلطان العلماء ، فإنني أتحدث عن مشروع قومي قاده الرجل في شتى مناحي الحياة ، في الدين ، و في السياسة ، و في القضاء ، و في الاقتصاد ، و في الجهاد ..
أتحدث عن مكافح سياسي وقف في وجه الطغيان ، و أعلن من فوق منبره خيانة الصالح اسماعيل (2) ببيعه السلاح للصليبيين و الاستقواء بهم ضد أخيه الصالح نجم الدين أيوب .. و هذا الموقف أودى به إلى الإعتقال ، و النفي .. لكنه لم يخش في الله لومة لائم ..
و أتحدث عن قاض ٍ شجاع ، وقف في وجه السلطان نجم الدين أيوب ضد تدخله في القضاء .. و هو ليس من حقه ، وأدّى به إنكاره لتدخّل السلطان في القضاء أن قام فجمع أمتعته ووضعها علي حماره ثم قال: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» ، و تجمع الناس حوله و أرادوا الخروج معه ،
و أتحدث عن مرب حكيم ٍ تربى على يديه المظفر قطز ، الذي جمع الله به شمل المسلمين ، و قيضه لجهاد التتار ، و دحرهم و تخليص بلاد المسلمين منهم ، بعد أن أبتليت بهم بلاءا عظيما ..
و أتحدث عن مجاهد باسل ، جيش الشعوب ، و جهزهم بالإيمان و القوة ، ليدحر الله به أعداء الإسلام في الداخل و الخارج ..
و أتحدث عن اقتصادي بارع ، شارك في وضع خطة تمويل العمليات العسكرية ضد التتار ، ولما أمر قطز بجمع الأموال من الرّعية للإعداد للحرب، وقف العزّ بن عبد السلام في وجهه، وطالبه ألا يؤخذ شيئا من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم المقادير التي تتناسب مع غناهم حتى يتساوى الجميع في الأنفاق ..
و أتحدث عن مفكر عظيم ، و ضع منهاجا دينيا ، وفقهيا ، وسياسيا ، كان بمثابة مشروع قومي عظيم ، قاد به مصر نحو الوحدة ، و النهضة ، وقيادة الأمة الإسلامية و إنقاذها من الهلاك ..
و عندما أقلب صفحات التاريخ الإسلامي ، يبرز أمام ناظري صفحة مضيئة ، لعالم من علماء المسلمين ، نشر الإسلام وحده في أواسط أفريقيا ، و أنشأ وحده دولة إسلامية من العدم ، قادت قوة الإسلام في الغرب ، و أنقذ الله بها الأندلس من السقوط ، ليأذن الله لهذه الحضارة أن تمتد قرونا أخرى تعلم البشرية الخير ..
إنه عبد الله بن ياسين المجاهد الفذ ، و العالم الفقيه ، الذي دعا الناس إلى الإسلام في أفريقيا من الصفر كما يدعو الأنبياء و الرسل الأمم لرسالاتهم .. فجاء بجمع غفير من الناس أسس بهم دولة المرابطين التي كانت أعظم قوة عسكرية و اقتصادية و علمية في أفريقيا آنذاك ..
و لست هنا أمام مجاهد محارب أو عالم ديني.. بل إنني أمام رجل متكامل العلوم و الفنون .. كان مؤسس الدولة ، و فقيهها الديني ، و السياسي ، و العلمي ، و الاقتصادي .. فضرب مثالا لشمولية الإسلام ، و أثبت أن الإسلام ليس بضع فروض تؤدى ، أو صلوات تقضى .. و ليس سلسلة من الشروح و المتون تمتليء بها الكتب ، و يسهر الطلبة في دراستها معزولين عن الحياة .. بل إن الإسلام دولة و وطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء.
بهذه الجولة الفاحصة في صفحات التاريخ أخلص إلى حقيقة هامة وهي :
أن العالم الحق الذي يستحق الثناء الإلهي ، و الوراثة النبوية ( 3 ) .. ليس بالذي يحبس نفسه بين أرفف الكتب ، أو يلصق قدميه على درجات المنبر .. و لكن العالم الحق هو الذي تكتمل فيه شمولية الإسلام ..
العالم الحق هو رجل سياسة حين تطغى الطواغيت ، و هو رجل حرب حين تغتصب البلاد ، و هو ثائر حين يتفشى الفساد ، و هو مجدد عظيم يضع المنهاج الذي يقود الأمة إلى النهوض ..
العالم الحق هو الذي يتكلم يوم أن يصمت الناس ، و يقود يوم أن يتقهقر الناس ، و يقاوم يوم أن يتخاذل الناس ، و يوحد يوم يتفرق الناس ، و يعلـّـم يوم يجهل الناس ..
العالم الحق – وريث الأنبياء – هو مشروع نبي في كل عصر ، يقيم الإسلام في الأرض ، فيؤدي الأمانة ، و يبلغ الرسالة ، و يجاهد في الله حق الجهاد حتى يأتيه اليقين ..
الحل في العلماء ..
أعود للسؤال و الجواب .. كيف يتقدم العلماء ركب هذه الأمة فيجددون لها حياتها ، وينهضون بها ، وينقذونها من براثن الهلاك ، كيف يستعيدوا هذا الدور المفقود الذي كلفهم الله به ؟؟
و الجواب في خمسة :
أولا : تصحيح العقيدة :
سمعت عبارة منسوبة إلى الصحابي البدوي البسيط ربعي بن عامر .. قالها و هو يقف أمام قائد الفرس رستم عقب معركة القادسية حينما سأله رستم عن الإسلام ..
فقال ربعي : " جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. " ..
لقد فهم ربعي من الإسلام ما يكفيه كي يتحدث عن هذا الدين العظيم ببلاغة الشعراء ، و حكمة العلماء .. مع قائد أقوى دولة في الأرض حينذاك .. ( 4 )
و قد اخترقت هذه الكلمات البسيطة قلبي وعقلي ، فصار صداها يتردد في رأسي ، ويختصر عندي كثيرا من الشروح و المتون التي تتحدث عن الإسلام و عقيدة التوحيد ..
لقد فهمت – منذ سمعت هذه الكلمات القوية البيان ، البسيطة التكوين – أن وظيفة الإسلام الأولى أنه كفاح سياسي لأجل عتق الناس من كافة العوالق الأرضية .. وهذا – لعمري - هو التوحيد الصحيح ..
كفاح سياسي شديد ، غايته تحرير الناس إلى ربهم من كافة طواغيت الأرض ، ليخلص الناس إلى ربهم يأخذون من عزته عزة ، و من كرمه كرامة ، و من علمه علما ، و من قيوميته إيمانا و يقينا ..
و حينما غدوت يافعا ، كان هذا المفهوم يترسخ يوما بعد يوم ..
لقد أعملت خاطري و عقلي في كتاب الله عز وجل فكانت هذه الحقيقة تزداد رسوخا مع قراءتي لكل آية ..
إن القرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره عن تحريض للناس على مجابهة الطواغيت ، و تخليص الأوطان و الشعوب من استبدادهم إلى الله الواحد ..
لقد تدبرت آيات الله عز وجل و هي تحكي موقف إبراهيم عليه السلام مع النمرود الطاغية الذي خدعه جبروته و طغيانه فظن تيها أنه رب هذا الكون .. و تدبرت كيف غلبه إبراهيم بشجاعته و إيمانه العميق ..
و تدبرت قبلها موقفه عليه السلام و هو يدخل مع سادات قومه في كفاح سياسي شجاع ، من أجل تحطيم عقائدهم البالية المتحجرة ..
و لقد قطعت رحلات مع آيات الله عز وجل يمنة و يسرة فوجدتها تكاد لا تخلو من تمجيد للكفاح الطويل الذي قطعه موسى عليه السلام لأجل تحرير البلاد و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ