أكثر ما يؤلمني هو سذاجة الشعوب ، و سطحيتها البالغة .. لا يؤلمني ظلم الحكام ، أو استبدادهم ، أو حتى خيانتهم .. إن الحاكم الظالم سرعان ما تستأصله الإرادة الحرة أو يرمي به الزمن إلى مزابل التاريخ ..
و لكن تكاد الدماء تنطلق من مجاريها الدقيقة داخل جسدي حينما أجد الناس جميعا تتآمر على هضم الحقيقة ، و الانسياق وراء الأكاذيب التي يروجها أصحاب الأمر ، أو التحدث بلغة العاطفة السطحية البعيدة عن الدراية بحقائق الأمور ..
" نجح الباطل " هذا هو قولي دائما و أنا أقف مشدوها ، فاغر الفم أمام تبريرات الدهماء ، و جدالهم السخيف من أجل إدانة الحق ، و تلميع الباطل ..
و لو أنصف الناس لوهبوا أرواحهم فداءا للمدافعين عن الحق ، و لسدوا ثغرات المجاهدين بدلا من تصيد أخطائهم ، و التربص لهم ، و الحقد عليهم ..
و إذا كان الناس يكرهون السجن و القتال ، فأضعف الإيمان أن يناصروا المتصدرين للكفاح بالكلام الصادق ، أو - على الأقل - أن يكفوا ألسنتهم عنهم و يتركوهم في كفاحهم حتى يظهر الله دينه على أيديهم ..
و العجب أن الناس مجتمعون على إنكار الحقيقة بشكل يطيش العقل ، و يحبط القلب ..
هناك حقائق كنت أظنها بديهية بداهة مطلقة ، أراها اليوم محل تشكيك ، بل و إنكار مستمر ..
لو قال واحد يوما : إن حاصل جمع الثلاثة زائد واحد اثنان . و أجمع الناس على تصديقه و تبرير اكتشافه الخطير .. أليس هذا مشهدا يدعو للأسف ، و يقتل الصادقين حسرة ؟؟!!
هذا هو الحادث فعلا ..
لم يكد يمر عام على الخيانة المصرية في حق غزة و شعبها ، حتى نفاجأ بخيانة من نوع جديد ..
عام على التواطؤ المصري ضد شعب غزة ومقاومتها ، عام على القرار الذي أخذته وزيرة خارجية الكيان الصهيوني من القاهرة بدك غزة ومقاومتها .. عام على إغلاق معبر رفح لمنع دخول المساعدات العالمية إلى القطاع لإنقاذ أهلنا و إخواننا هناك ..
لم يكد يمر هذا العام على هذه الخيانة حتى نفاجأ بخيانة جديدة ، وعار جديد ..
لقد خلعت مصر برقع الحياء ، و تقوم الآن ببناء جدار فولازي بين غزة و مصر .. حتى يمنع عن شعب غزة المسكين كسرات خبز ، أو رشفات لبن كانت تهرب لهم عبر الأنفاق الضيقة ..
هذه هي الشهامة المصرية ، و المرجلة العربية ..
القصة تبدأ من اقتراح قدمته الحكومة الصهيونية على الإدارة الأمريكية ، اقتراح بناء جدار فولاذي بأعماق كبيرة بين مصر وقطاع غزة .. وقد لاقى هذا الاقتراح ترحيبا أمريكيا .. و طلبت الولايات المتحدة من مصر تنفيذ المشروع مع الوعد بتمويله ..
و سرعان ما بدأت مصر في تنفيذ الاقتراح الصهيوني ..
الذي يغيظ هو أن الحكومة المصرية – ومن خلفها بعض السذج منم الشعب المصري - تقول أن هذا الجدار لحماية حدود مصر ، و أنه جزء من الأمن القومي المصري ..
و أقول :
لماذا لا يكون الجدار بطول الحدود بين مصر و إسرائيل ؟؟ !! لماذا هو بطول الحدود بين مصر و غزة فقط .. ؟!!
هل غزة هي العدو الذي تخشاه مصر ؟؟
وهل يضر بأمن مصر بعض القمح أو الأرز أو الشاي أو السكر أو الماعز المهرب إلى شعب غزة الجائع المحاصر ؟؟
أين كان أمن مصر حينما قامت إسرائيل بقتل ستة جنود من حرس الحدود المصري منذ أعوام ، و لم تحرك مصر ساكنا ، بل دعت إسرائيل إلى الاعتذار عن الخطأ ، و قبلت الاعتذار منها بعد ذلك ؟؟
أين كان أمن مصر و هي تصدر الغاز لإسرائيل بثمن بخس ، مخالفة لقرار القضاء المصري ، و تخسر سنويا 30 مليا جنيه .. ؟!!
إن الجدار المصري هو عار على نظام مبارك .. و عار على شعب مصر الذي ترك الطاغية الخائن يتآمر مع الأعداء على إخوانه ..
إنه عار على شعب مصر أن يظل في هذا الانبطاح تاركا الخائن يعبث بتاريخ هذا البلد المجيد ، و يجعل كل العالم يشير إلينا باشمئزاز ..
الذي يغيظ أن هناك من الشعب من يريد تبرير ضعفه و سلبيته من خلال تبرير موقف النظام ، و القول : نحن أحرار ، و حدودنا نحميها بخاطرنا
و القول الصحيح ، أننا فعلا أحرار .. بدليل أن حدودنا نحميها باقتراحات الصهاينة و أموال الأمريكان .. أنعم بها حرية !!
إنني لا ألوم أي عربي يضرب المصريين بالجذم في أي دولة ..
إنني لا ألوم شعب الجزائر على ما فعلوه بالجماهير المصرية في السودان ..
إنني لا ألوم أي شعب في العالم على اذلاله للمصريين ..
نحن نستحق ذلك .
نستحق أن يبصق في وجوهنا لأننا نترك الطاغية يضيع تاريخ هذا الوطن العريق ..
نستحق كل سوء لأننا عاونا الظالم .. و تركناه يتبجح بظلمه ..
مصر مسئولة تاريخيا عن ضياع فلسطين :
هناك من هم أكثر سذاجة يقولون :
أنتم تحملون مصر أكثر من طاقتها .. لقد دفعت مصر طويلا من دماء أبنائها من أجل القضية الفلسطينية .. ألم تحارب مصر أربعة حروب راح فيها الرجال ، والنساء و الأبناء .. ؟!! كل هذا لأجل عيون فلسطين .. و ياليته طمر الجميل !!
كفانا تضحية من أجل فلسطين .. يجب أن نلتفت لأنفسنا .. كفانا فلسطين .. !!
و أقول :
هل حقا حاربت مصر أربعة حروب – في العصر الحديث - من أجل فلسطين ؟؟!!
هذه في الحقيقة كذبة تاريخية لم أر أبجح منها ..
و قد آن الأوان أن تسقط هذه الكذبة التي صدعونا بها ..
فالواقع هو العكس ..
فإن السبب في نكسة القضية الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني على فلسطين إلى وقتنا الحالي يعود بشكل كبير على مصر ..
و أعلم أن كثيرا من القراء سيقفون مشدوهين أمام هذه المفاجئة التاريخية .. وهم معذورون .. فلطالما تغنى الإعلام الرسمي العاجز بكذبة احتضان مصر للقضية الفلسطينية منذ مهدها ، و لطالما رفعت الأنظمة المصرية منذ نظام فاروق إلى الآن شعارات زائفة تدعي نصرة القضية الفلسطينية ..
و لكني أعتذر لقارئي إن كنت سأضطر – كارها – أن أكشف له العورات المخبوءة ، لعله يدرك أن على مصر دين كبير تجاه القضية الفلسطينية يجب أن توفيه ..
و لعله يدرك أن ذنب القضية الفلسطينية سيظل معلقا في رقبة مصر .. و لن يسقط هذا الذنب إلا الثأر و التصحيح ..
و لنحكي القصة من أولها .. :
أولا : الاحتلال البريطاني
طبيعة الشعب المصري أنه مسالم لأي جهة تتولى زمام الحكم في بلده ، هذا ليس ادعاءا ، و إنما هي حقيقة يقرها التاريخ ، و أقرها القرآن الكريم حين قال جل وعلا حاكيا عن فرعون : (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) ..
و هذه الحقيقة تفسر رضوخ الشعب المصري لحكم أسرة محمد علي المستبدة الطاغية ..
و تفسر أيضا بقاء الاحتلال البريطاني في مصر لمدة وصلت إلى 72 عاما .. و هي أطول مدة للاحتلال البريطاني في دولة عربية .. علما بأن مصر كانت أول دولة عربية احتلتها بريطانيا في العصر الحديث بعد عدة مناطق قبلية في الخليج العربي ليست ذات أهمية استراتيجية كبيرة مثل مصر ..
و بقاء هذا الاحتلال في مصر طيلة هذه المدة ، و عجز الشعب المصري – ذي الطبيعة الراضخة – عن طرده كان سببا في طمع هذا الاحتلال في العديد من الأقطار العربية الأخرى .. مثل العراق و السودان و الصومال ثم فلسطين بعد ذلك ..
و مع بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين ، و دخول ( اللنبي ) للقدس عام 1917 و إعلانه رسميا الانتداب البريطاني على فلسطين ، بدأت أزمة فلسطين .. و نشط التفكير اليهودي في أن يكون لهم وطن قومي في فلسطين .. و بالفعل ظل الانتداب البريطاني على فلسطين و هو يمهد لولادة هذا كيان صهيوني على أرض فلسطين .. و لم ينتهي هذا الانتداب إلا بعد إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 ..
أي أن طمع بريطانيا في فلسطين كان ناتجا عن ٌأنها لم تجد لها رادعا في مصر .. فطمعت في فلسطين و اغلب الدول العربية ..
ثانيا : حرب 1948 ..
لقد كانت هذه الحرب تمثيلية بكل المقاييس .. فقد كانت الجيوش العربية أساسا تحت قيادة إنجليزية ، و قد وضع خطة الحرب القائد البريطاني ( الجنرال جون جلوب .. )
يقول الدكتور راغب السرجاني عن حرب 48 :
|(لقد حرص الزعماء العرب في سنة 1948 على القيام بتمثيلية حرب ضد اليهود وكأنهم يحررون فلسطين، ولكنها كانت تمثيلية لتكريس الوجود الصهيوني في فلسطين، فقد كانت الجيوش العربية تحت زعامة إنجليزية ، وما حاربت الجيوش العربية إلا في المناطق التي قسمتها الأمم المتحدة للعرب في قرار التقسيم الظالم سنة 1947، ولم تدخل الأراضي المقسومة لليهود إلا مرة واحدة على سبيل الخطأ، وقام الجيش العراقي الذي أخطأ بدخول الأراضي المقسومة لليهود بالانسحاب فورًا منها بناءً على أوامر الجامعة العربية..
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ