حينما كنت في طفولتي البريئة – حيث لم أكن قد تعلمت القراءة و الكتابة بعد – سمعت عبارة منسوبة إلى الصحابي البدوي البسيط ربعي بن عامر .. قالها و هو يقف أمام قائد الفرس رستم عقب معركة القادسية حينما سأله رستم عن الإسلام ..
فقال ربعي : " جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد .. " ..
لقد فهم ربعي من الإسلام ما يكفيه كي يتحدث عن هذا الدين العظيم ببلاغة الشعراء ، و حكمة العلماء .. مع قائد أقوى دولة في الأرض حينذاك ..
و قد اخترقت هذه الكلمات البسيطة قلبي وعقلي ، فصار صداها يتردد في رأسي ، ويختصر عندي كثيرا من الشروح و المتون التي تتحدث عن الإسلام و عقيدة التوحيد ..
لقد فهمت – منذ سمعت هذه الكلمات القوية البيان ، البسيطة التكوين – أن وظيفة الإسلام الأولى أنه كفاح سياسي لأجل عتق الناس من كافة العوالق الأرضية .. وهذا – لعمري - هو التوحيد الصحيح ..
كفاح سياسي شديد ، غايته تحرير الناس إلى ربهم من كافة طواغيت الأرض ، ليخلص الناس إلى ربهم يأخذون من عزته عزة ، و من كرمه كرامة ، و من علمه علما ، و من قيوميته إيمانا و يقينا ..
و حينما غدوت يافعا ، كان هذا المفهوم يترسخ يوما بعد يوم ..
لقد أعملت خاطري و عقلي في كتاب الله عز وجل فكانت هذه الحقيقة تزداد رسوخا مع قراءتي لكل آية ..
إن القرآن الكريم لا تكاد تخلو سورة من سوره عن تحريض للناس على مجابهة الطواغيت ، و تخليص الأوطان و الشعوب من استبدادهم إلى الله الواحد ..
لقد تدبرت آيات الله عز وجل و هي تحكي موقف إبراهيم عليه السلام مع النمرود الطاغية الذي خدعه جبروته و طغيانه فظن تيها أنه رب هذا الكون .. و تدبرت كيف غلبه إبراهيم بشجاعته و إيمانه العميق ..
و تدبرت قبلها موقفه عليه السلام و هو يدخل مع سادات قومه في كفاح سياسي شجاع ، من أجل تحطيم عقائدهم البالية المتحجرة ..
و لقد قطعت رحلات مع آيات الله عز وجل يمنة و يسرة فوجدتها تكاد لا تخلو من تمجيد للكفاح الطويل الذي قطعه موسى عليه السلام لأجل تحرير البلاد و العباد من سطوة فرعون و ظلمه ، و طغيانه ..
و لقد تعلمت درسا في الجهاد و التجرد إلى الله تعالى من قصة ذلك الغلام " فتى نجران " الذي خلد القرآن ذكره في سورة البروج – وهو الغلام الصغير لكن فعله كبير عظيم - .. وقف في وجه " ذي النواس " صاحب الأخدود ، الطاغية المجرم .. و ضحى بروحه حتى رد الناس إلى ربهم ، فآمنوا و ماتوا وهم على ذلك ..
و لقد طوفت الترحال بسور القرآن الكريم ، فوجدتها لا تخلو من تخليد و تمجيد للمكافحين من الأنبياء و الصديقين ، الذي وقفوا في وجه الفساد و ضحوا بأرواحهم في محاربة الطغيان ..
و لهذا لم أندهش حينما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أصحابه أن أعظم شيء في الإسلام هو الكفاح السياسي في محاربة الطغيان ..
قال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر " ..
و لم أندهش أيضا و أنا أرى الرسول صلى الله عليه و سلم وهو يساوى بين منزلة الرجل الذي أعدمه سلطان ظالم و منزلة حمزة بن عبد المطلب .. فقال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله "
من كل هذا أفهم أن وظيفة الإسلام الأولى هي أنه كفاح سياسي لمحاربة الجور و الظلم و الفساد .. و أفهم أن " التوحيد " الحق هو تخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ..
أقول هذا الكلام بعدما سمعت كلاما استفزني لأحد علماء العصر على شاشة إحدى القنوات الفضائية الناشئة ، كلام جدير بالتأمل .. يقول :
" إن مخالفة الإمام – حاكم الدولة - تعد إثما ، بل إن أوامر الإمام قد تأخذ أحيانا درجة الأحكام الشرعية .. فتسقط الواجب أحيانا ، و تحرم المباح ، و الخروج عليها على هذه الصورة يعد إثما "
وضرب الرجل مثالا فقال : " إن قال الإمام : لا نقاطع بضائع و منتجات الدولة الفلانية ، حينها تكون المقاطعة إثما .. و إذا قال : نقاطع الدولة الفلانية .. حينها تكون المقاطعة فريضة شرعية ، و من لا يقاطع يأثم "
و الحقيقة أن هذا الكلام قد أثار عندي شجونا ، لأنه يعبر عن تيار أصبح منتشرا بشكل غريب ، و لعلي ألفت النظر إلى هذا التيار و سماته و نشأته .. لتنكشف الحقيقة أمام القاريء ..
في أواسط القرن الثامن عشر .. ظهر في الجزيرة العربية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، و كان رجلا من أهل العلم و الفضل ، ، و كانت له أفكار علمية تتناسب مع طبيعة عصره ، فكانت أفكاره متمثلة في الدعوة إلى التوحيد ، ونبذ البدع و المنكرات و لاسيما ما كان سائدا في هذا العصر من تقديس للقبور و هي بدع من مخلفات الشيعة في البلاد .. و كان لابد من ظهور أمثال الشيخ لمحاربة هذه المخلفات ..
وقد لاقت هذه دعوة الشيخ قبولا في الجزيرة العربية و خصوصا لدى أبناء سعود ، فحدث تعاون بينهم في هذا الأمر .. وسرعان ما تحولت الدعوة السلمية إلى دعوة مسلحة ، و قام أبناء سعود " و أميرهم " محمد بن سعود " بمهاجمة القرى خارج حدود الدرعية من أجل نشر أفكار ابن عبد الوهاب ، حتى فتحت الرياض بقيادة الأمير عبد العزيز عام 1773 .. ثم تواصل فتح القرى حتى هاجم جيش سعود الحجاز فاستولوا على مكة و المدينة عام 1803، فامتعض الخليفة العثماني لهذا الخرق للدولة العثمانية ، و قد حدثت صراعات بين آل سعود و الدولة العثمانية ، استغلت خلالها بريطانيا و فرنسا هذه الصراعات فأحدثت شروخا عظيمة في دولة الخلافة ، إلى أن سحقت القوات المصرية الجيش السعودي و دخلت الدرعية وسقطت الحركة السعوودية عام 1818…
و لم يقم لآل سعود دولة منذ ذلك الحين .. إلى أن استطاع " عبد العزيز بن سعود " إقامة المملكة السعودية في مطلع القرن العشرين أي بعد مائة سنة تقريبا .. و اتخذ المنهج الوهابي أساسا للفكر الإسلامي في الدولة ..
و مع الرفاهية الاقتصادية التي عاشت فيها السعودية بعد اكتشاف النفط ، و مع مكانة أراضي الحجاز في قلوب المسلمين في كل أنحاء الأرض .. استطاعت السعودية أن تحظى بمكانة كبيرة في عقول وقلوب المسلمين ..
و أدى ذلك إلى تصدير الفكر الوهابي إلى العالم الإسلامي كله ، فتزاحم طلبة العلم من كل الأقطار على الهجرة إلى المملكة لتلقي العلم على أيدي المشايخ و المحدثين في بلاد الحرمين الشري






























